التلميذ واستراتيجية الاختيار

إن الوضع المتأزم لنظامنا التعليميي يلقي بظلاله على نفسية المتعلم ويضعف حوافزه للتحصيل العلمي وهو يرى الآفاق منسدة والشواهد لا تضمن لحاملها حق الشغل. وتزيد حيرته عندما يصل إلى السنة الختامية من الباكلوريا حيث يطلب إليه اختيار إحدى تخصصات التعليم العالي، تخصصات ومسالك دراسية وتكوينية متنوعة ومختلفة لا يعرف عنها إلا النزر اليسير نظرا لشح المعلومات وقلة المعطيات، بحيث تطرح لديه تساؤلات حول آفاق هذه المسالك والمعاهد وشروط ولوجها وطبيعة التكوين الذي توفره لطلبتها وقيمة الدبلوم المسلم؛ كل هذه الأسئلة وأسئلة أخرى لا تجد أجوبة تشفي غليله وتروي ظمأه.

إن هذه المساهمة تحاول التخفيف من وطأة هذه المرحلة بإمداد التلميذ بالأدوات المنهجية والعلمية لتوظيفها في عملية الاختيار واتخاذ القرار المناسب لجعل مشروعه الدراسي والمهني قابلا للتحقيق والتنفيذ. إن مستقبل التلميذ يتحدد في الحاضر ونجاحه وفشله مرتبط بمدى قدرته على التعامل بشكل مبكر ومنهجي ومتواصل مع عملية التوجيه وكذا صحة اختياراته.

2. التلميذ وتجربة الاختيار يقف عدد كبير من التلاميذ الحاصلين على شهادة البكالوريا حيارى أمام تنوع الاختيارات وتعدد المسالك الدراسية والتكوينية المخولة لهم، ولا يدل التنوع في الدراسات دائما رواجا في سوق المعرفة لأن ارتباط الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في بلادنا بعجلة الغرب يفرض علينا نوعا من التقليد يأسر شخصيتنا ويطمس هويتنا وكيف لمن لا يحسن المشي أن يتقن القفز؟ ولكي لا يذهب التلميذ على عتبة المرحلة ما بعد الباكلوريا ضحية سوء اختياره وتقديره للعواقب يحسن به أن يتبنى استراتيجية للاختيار تخول له في آخر المطاف اتخاذ القرار المناسب.

3. استراتيجية الاختيار واتخاذ القرار إن تبني استراتيجية واضحة للاختيار تعتبر عملية حيوية للوصول إلى اتخاذ القرار الصحيح فيما يخص مرحلة التوجيه. ويمر بناء الاستراتيجية من أربعة مراحل أساسية: I

. مرحلة تحديد الغاية II.

مرحلة التشخيص الذاتي III.

مرحلة التشخيص الموضوعي IV

. مرحلة اتخاذ القرار – مرحلة تحديد الغاية من الدراسة لابد لكل نشاط وعمل من غاية توجهه وتؤطره حتى لا ينحرف وتتغير وجهته بفعل المؤثرات الخارجية، وينسحب هذا القانون كذلك على التحصيل العلمي والنشاط الدراسي. وتعتبر مرحلة تحديد الغاية من التعلم مرحلة أساسية إذ هي المفصل التي تحدد وجهة المتعلم وتحدد الغاية من الدراسة المرتبطة بالأساس بالنية، وإن أقل ما يحتاج إليه المتعلم أن يصحح نيته لينتفع بما يتعلم وينتفع به من يأخذ منه، فإذا أراد أن يصحح نيته يحتاج إلى أن ينوي أشياء:

1) أن ينوي بتعلمه الخروج من الجهل لأن الله تعالى قال ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ .

2) أن ينوي به منفعة الخلق لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خير الناس من ينفع الناس” .

3) أن ينوي به إحياء العلم، لأن الناس لو تركوا التعلم لذهب العلم، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “تعلموا العلم قبل أن يرفع” ورفعه ذهاب العلماء.

4) أن ينوي أن يعمل به لا بخلافه لأن العلم آلة للعمل وطلب الآلة لغير العمل لغو، كما إذا عمل بلا علم فهو لغو. وقيل: العلم بلا عمل وبال، والعمل بلا علم ضلال.

5) وينبغي للمتعلم أن يطلب به وجه الله تعالى والدار الآخرة فإنه ينال الأمرين جميعا كما قال الله تعالى ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب﴾ . وروى زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “من كان نيته الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة دليلة” .

6) وإذا لم يقدر على تصحيح النية فالتعلم أفضل من تركه، لأنه إذا تعلم العلم فإنه يرجى أن يصحح المتعلم نيته لأنه روي في الخبر أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من طلب العلم لغير وجه الله تعالى لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله والدار الآخرة” . وقال مجاهد: “طلبنا هذا العلم ومالنا فيه كثير من النية ثم رزقنا الله فيه النية” . فبهذا المعنى يجب على المتعلم أن يجعل مشروعه الدراسي والمهني والحياتي مؤطرا بهذه النية العظمى حتى يكون من أبناء الآخرة. – مرحلة التشخيص الذاتي نعني بالتشخيص الذاتي عملية معرفة الذات وفهم حقيقة شخصية الفرد واهتماماته، فالتلميذ كائن اجتماعي له ميولات واتجاهات وقدرات، وكل قرار يتخذ في حقه يجب أن يبنى على حقائق ومعطيات تحترم فردانيته وخصوصياته وظروفه الاجتماعية وتنسجم مع قدراته العقلية ورغباته المستقبلية، ليستفيد المجتمع من تلك الطاقة الاجتماعية الكامنة والتي تنتظر الفرصة المواتية لتفصح عن نفسها ولتوظف في عملية الإبداع والدفع بالمجتمع إلى التقدم والرقي خاصة في بلد نام كبلدنا في أمس الحاجة إلى عقول وسواعد جميع أبنائه.

* الميولات:

يعتبر الميل بشكل عام استجابة قبول إزاء موضوع خارجي، ولذلك فان الميول متعلمة ومكتسبة من تفاعل الإنسان مع بيئته الخارجية سواء كانت مادية أو اجتماعية، فنحن نميل لأصناف معينة من الطعام ونفضلها عن غيرها، ونحن نميل لبعض المواد الدراسية ونفضلها عن بعضها وكذلك بالنسبة لموقفنا من المهن، ولذلك تعتبر الميول استعدادات مكتسبة أي متعلمة للاستجابة بطريقة معينة لنواحي خاصة من البيئة التي تحيط بنا. كذلك يكون حال التلميذ صاحب الميل العلمي، مثلا إذ يتصف هذا التلميذ بسرعة استجابته للدروس والمواد العلمية، وتفضيله لأنواع المهن والهوايات العلمية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قد لا يعنيه كثيرا نشاط الخطابة أو محاضرات الأدب أو دروس النصوص. وآية هذا كله أن الميل يوجه صاحبه نحو مجموعة معينة من أساليب النشاط المميزة عن غيرها من أساليب النشاط الأخرى.

* الاستعدادات والقدرات الشخصية:

كثيرا ما يثار في مجالس التوجيه بأن التلميذ وجه إلى شعبة معينة عن جدارة وقدرة واستحقاق، وأن لهذا الأخير استعدادات شخصية تؤهله لمتابعة دراسته في هذه الشعبة. من هنا نرى مدى العلاقة الوطيدة بين القدرات الشخصية والتوجيه كما يمكن اعتبار القدرات عاملا حاسما في تحديد الميولات نحو مسالك وتكوينات دراسية بحيث يكون الميل في بعض الأحيان على أساس التحصيل وأنه صحيح أن كثيرا من التلاميذ يميلون إلى الشعب والتكوينات والمواد الدراسية التي يستطيعون أداءها بشكل جيد. – مرحلة التشخيص الموضوعي إن التلميذ المقبل على عملية الاختيار يجب أن يكون على علم ودراية بمحيطه لأن عملية الاختيار هي نتاج توافق بين ميولات التلميذ وقدراته وبين متطلبات البيئة التي يعيش بها، ومن مكونات هذا المحيط الأساسية نظام التربية والتكوين، ثم المعطيات الاجتماعية الاقتصادية والأسرة.

* نظام التربية والتكوين:

إن جمع أكبر عدد من المعلومات والمعطيات حول نظام التربية والتكوين بما هو شعب ومسالك دراسية وتكوينية ومعاهد عليا وجامعات ونظام للامتحانات وطبيعة الشواهد المسلمة، كل ذلك كفيل بتوفير شروط موضوعية حقيقية للقيام بعملية الاختيار الصائب. * المعطيات الاجتماعية الاقتصادية: إن البعد الاقتصادي ومتطلبات سوق الشغل وحاجيات البلاد من الأطر يجب أن تراعى في عملية الاختيار حتى لا يكون هذا الاختيار مثالي وغير واقعي وليس ابن زمانه ووطنه، فالبلاد في فترة معينة تحتاج إلى سمات معينة للأطر المتخرجة كما لا تحتاج لأخرى وإذا أخذنا على سبيل المغرب الذي يعتبر من دول العالم الثالث ونظرا لتخلفه العلمي والتكنولوجي يحتاج إلى خبرات مدربة تدريبا تطبيقيا في المجال العلمي والتكنولوجي لتجاوز أزمته الاقتصادية.

* الوضعية الاجتماعية للأسرة:

إن الوضع الاجتماعي للأسرة يلعب دورا كبيرا في تحديد اختيارات التلاميذ إما سلبا أو إيجابا، فالأسرة الميسورة المتعلمة تشكل قوة دفع لأبنائها بتوفيرها لهم الإمكانات المالية اللازمة مع النصح والمتابعة، في المقابل نجد التلميذ ذو الأصول الفقيرة خصوصا في العالم القروي وفي غياب منحة حقيقية يعاني الأمرين ويواجه لوحده إكراهات مالية كبيرة تقيد حركته وتضيق من هامش اختياراته، خصوصا فيما يرتبط بمتابعة دراسته العليا في منطقة أو مدينة أخرى أو في الخارج، خاصة أن هذه الفئة من التلاميذ تتوفر على قدرات فكرية وكفاءة علمية عالية؛ فيطلب إليهم أن لا يصموا سمعهم ويحجب بصرهم عن واقع أسرتهم الضعيفة الحال ويلتمسوا تكوينا يتطلب مجهودا ماليا كبيرا يثقل كاهل عائلتهم بالديون فتكون النتائج عكسية. – مرحلة اتخاذ القرار تعتبر هذه المرحلة تتويجا لمرحلتي التشخيص الذاتي والتشخيص الموضوعي وتتطلب من التلميذ تقدير المسؤولية بكل أبعادها مع استحضار النية كما قال بعض السلف: “من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته” .

كما أن هذا الاختيار يجب أن لا يعتبر نهائيا بل قابلا للتعديل والتغيير كلما تغيرت الشروط التي أنضجته وظهر ما يستدعي تغييره، كما يتعين على التلميذ استحضار احتمال الرسوب لا قدر الله لتهيئ البدائل وتجاوز تجربة الإخفاق بدون خسائر كبيرة لأن الرسوب المفاجئ غير المنتظر قد يؤدي بالتلميذ إلى اليأس والانهيار لا قدر الله. وفي هذا يتعين على التلميذ الأخذ بمبدأ الاستشارة خصوصا في اتجاه ذوو الخبرة والتجربة ونذكر على سبيل المثال المستشارين في التوجيه والأساتذة والأطر العليا كما يتوجب عليه القيام بزيارة المؤسسات العمومية المختصة في مجال التوجيه كمراكز الاستشارة والتوجيه ومراكز إرشاد الطالب والاتصال بالطلبة القدامى وحضور ملتقيات الإعلام والتوجيه.

4. خاتمة لقد تحدثّ إليك أيها التلميذ لحد الآن عن المستقبل والنجاح والتوجيه والاختيار؛ اختيار شعبة أو مسلك دراسي واقتصر حديثنا عن هموم الشغل والمستقبل والمعاش والمصير في الدنيا، لكن اختيار آخر ينتظرنا اختيار تتحدد به وجهتي في هذه الحياة ويعطيها معناها الحقيقي، اختيار ينسحب على بقية حياتي وعلى مستقبلي وعلى مصيري ومصير أمتي في الدنيا، وعلى مصيري يوم أبعث بعد الموت وآتي فردا مسؤولا عما فعلت بحياتي وما عملت يوم أجازى الجزاء الأوفى إما إلى الجنة أو إلى النار. اختيار ارتقي به من طالب الخبز والمسكن والزواج والشغل والكرامة والاستقرار إلى طالب القرب من الله، اختيار لا ينفع معه الحياد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أصبح وهمه غير الله فليس من الله، ومن أصبح وهمه غير المسلمين فليس منهم” .

أبحث عن مسلك في الحياة، عن عهد مع الله تعالى قبل كل شئ تنتظم به حياتي في الدنيا بمصيري في الآخرة. أختار بين هيئتين، بين مذهبين بين ولاءين: ولاء صادق لله ورسوله، هيأة يستوي مظهرها ومخبرها، مذهب مستقيم لا يلتوي، أو ولاء مراهق منافق، يقوده الخوف من الناس وتغمضه ضبابية المعرفة، وتنحط به سخافة المطامح وسفالة الهمة ﴿ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: