العنف و التسامح

هو العنف؟
كل تجاوز يصدر عن الإنسان على حق من الحقوق يسمى عنفا. السرقة و القتل و منع الغير من الحرية و الملكية و الازدراء أشكال من العنف، و أنها تطاول على ما تشعر به الضحية أنه حق لها. و ينقسم إلى عنف مادي و آخر أخلافي و معنوي. يقابل العنف التسامح. فهل من العدالة مقابلة العنف بالعنف؟ أو أن نكون متسامحين مع من يمارس العنف؟
المعاملة بالمثل أو القصاص: كانت مقابلة العنف بالعنف معروفة منذ القديم؛ سواء في الشرائع الوضعية أو السماوية، بمختلف الغايات و المقاصد. إلا أن الفلاسفة أخذوا موضوع العنف من حيث هو ممارسة يجب منعها و تحريمها. و أن المعاملة بالمثل استمرار في ممارسة العنف و ليس علاجا منطقيا له. إن العنف لم يقض على العنف. و ميل الإنسان إلى محاربة العنف باستخدام القوة و لد أشكالا أخرى من ردود الأفعال لدى من يمارس عليهم ذلك العنف.
ما هي أسبابالتفكير و الفعل، رغم اختلافها عن أفكارنا و معتقداتنا و سلوكاتنا العملية. فهي إذن تختلف قدرة هذا التقبل حسب الظروف و الأشخاص. فللتسامح حدود و مقدار إذا تجاوزهما الغير أصبح الفعل فرصة لتجلي الشر و الظلم. فلماذا هذا التقييد الذي يفتح بابا لبقاء العنف؟
من حيث هو ظاهرة إنسانية، فتتحكم في العنف عدة أسباب و عوامل. لذا أخذته موضوعا لها عدة علوم كالبيولوجيا من خلال طب الأعصاب و الوراثة، و علم الاجتماع و النفس. و يعتبر علم الإجرام جهدا في تحديد أسباب العنف على هذا المستوى.
.الأسباب الاجتماعية و الاقتصادية
.الأسباب السياسية و الثقافية
: الأسباب النفسية
التعـليلات: أن العنف لا يراه إلا المنهزمون و الضعفاء، أما الغالبون لا يرون في أفعالهم أي عنف. يرى “هيراقليطس” أن العنف أصل الحياة. أما “نيتشه”، فيرى أن الإنسان جبل على العنف. إلا أن التعبير عنه يختلف لدى القوي و الضعيف. و أن على أساس هذا العنف تتحدد ماهية الأفراد و الأمم و المنزلة و الدور في حلقات تشييد الحضارة الإنسانية. و أن العنف حالة أصيلة في الوجود و أنه لا طعم للحياة إن خلت من العنف. طعم الحياة و الحرية و التمتع بالحق من قلق فقدانها. كما أن القوة الغضبية هي التي تدفع إلى التجديد، لذا يحق للأقوى ما لا يحق للضعيف. ـ أما الوجوديون فيرون أن العنف ينتج من طبيعة العلاقة بين البشر ـ تعدد الأناوات ـ و نزعة كل ذات إلى امتلاك الآخر و القصد إلى تشييئه هو الذي يولد العنف و يجعل الإنسان تحت رحمة الجنون. ـ أما “إنقلز” فيرى فيه أصل البناء. فالتناقض بين الواقع كمجال لسريان القانون و الحقوق، يشعر الإنسان بغبنه و يولد فيه قوة عنيفة تدفعه إلى تجاوز و إعدام الحاضر و القضاء عليه و تجسيد الأماني الممنوعة بعنف القانون. لذا يكون جديرا أن نميز بين نوعين من العنف. العنف الهدام الذي يمارس على حساب حقوق الإنسان، و العنف البناء. و بعبارة أخرى، يضطر الإنسان إلى الأخذ بالوسائل العنيفة حينما تكون الفضيلة مهددة…
كيف يمكن الوصول إلى مقابلة الشر بالخير؟
من خلال إدراك سلبيات العنف و بطلانه:
ـ العنف يولد العنف.
ـ العنف ليس طبيعيا و إنه يظهر حين تكون الحياة مهددة.
ـ العنف يمكن معالجته من خلال الوقوف على أسبابه.
ـ مقابلة العنف بالعنف ذريعة المجرمين و الفاشلين في معالجة العنف علاجا جديرا بالإنسان ككائن متخلق. من خلال إيجابيات اللاعنف:
ـ اللاعنف صفة جديرة بالإنسان. يسمو به عن الحيوانية.
ـ اللاعنف يحارب الشر و يغذيه. و هو استراتيجيا الحكماء في التميز عن أهل العنف من حيث نبل الوسيلة و سمو المقاصد.
ـ اللاعنف لا ينبغي مقاربته بالجبن و السلبية، و إنما هو نضال و ترويض للنفس على مباعدة الشر.
ـإذا كان التسامح هو تقبل أساليب الآخرين
-في إن الفضيلة بناء لا يدوم إلا إذا تأسس على ما يضمن بقاءها، لذا لا يكون من الفضيلة ما يمكن أن ينتج الفوضى أو الشر. و لقد مر بنا أن للحرية و الديمقراطية (الحقوق) حدود و ضوابط لا ينبغي تجاوزها أو التعدي عليها. و بالتالي لا يكون من المعقول التسامح مع من ليس متسامحا.
ـ إذا كان التسامح يتوجه نحو مصادر العنف من حيث هي مقصودة، فالتعامل مع نقيض التسامح يهدد التسامح، كذلك يولد العنف من التراخي و التمادي في هجر العنف و القوة. إذ لا يعقل التسامح تجاه من يهددون التسامح. مثل احترام الديمقراطية من خلال أعداء الديمقراطية.
ـ كما يعتبر كل من “ماكيافيلل” و “سبانسر”و “نيتشه” التسامح أفضل وسيلة لإنجاح أي مشروع خاصة في ميدان السياسة.
ـ و لقد ارتبط التسامح في التاريخ الإسلامي و المسيحي… بمحاربة الحقد و نزعة التكفير و التحقير بين أهل الملل و النحل و الأديان. و برزت من بين المسلمين أهل الوسطية و الاعتدال و محاربة الغلو و التطرف، و لقي الغرب الأوربي في إقرار حرية الأديان مخرجا من العنف الديني.
إن نسبية القيم الأخلاقية تجعل من حدود التسامح يختلف حسب الثقافات.
ـ و لا تسامح إلا بقبول الطرفين التنازل عن كل أشكال الاستعلاء و الإكراه و الحقد و الاستقواء.
ـ و يرى كثير من الفلاسفة أن التعامل مع الغير لا ينبغي أن يدفع المجتمعات إلى هجر و عدم حيازة وسائل الردع، كما يجب أن نتجاهل ثقافة و القيم الحضارية للآخر.
إذن لا تسامح إلا بوعي المتسامح لمجال صلاحياته و حدوده. فهل هذه الشروط تضمن تحقق التسامح، أم تتسبب في فشله؟
إن أي شرط معرقل في تحقيق التسامح. و أن التسامح لا ينبغي أن يخضع لأي شرط.
الحكمة من عدم تقييد التسامح بأي شرط مسبق ..
من حيث الشكل:
ـ لأن كل شرط مسبق يوضع مقابل التسامح، تحت أي اعتبار مثل نسبية القيم، هو رفض للآخر، و جعل التسامح في مهب الأهواء و التقديرات الذاتية. و بالتالي قضاء على التسامح.
ـ إن رفض العنف الذي يصدر من الغير يعتبر شكلا أخر من العنف، ما دام المحرك لأفعال الإنسان المقصودة هي نفس القيم السامية المطلقة التي يؤسس عليها الإنسان حقوقه و يشحن بها إرادته. و إذا اشترط طرف استبعاد ذلك الأساس لدى الأخر، فهم من وضع ذلك الشرط شكل من أشكال الاستخفاف و التحقير… و هو عنف.

ـ أما التسامح المشروط بالحذر و الاحتياط فهو يدل على غياب أو اضطراب الثقة بين الطرفين. هذا ما يدفع إلى وجوب إرساء تسامح متحرر من أية مساومة.

من حيث المضمون:ـ

إن جعل التسامح مشروطا و أي ارتفاع للشرط يقضي على التسامح كما يحول تعلق الإنسان به و يتحول عن التسامح و لا يشجع استمرار التعايش السلمي بين الفرقاء. بل يكون هذا التعايش رهين ذلك الشرط. فلا يعود التعايش السلمي دالا على التسامح و قبول الأخر. لا عنف ظاهر و لا نوايا خيرة.

ـ كما أن ربط معظم المهتمين بالتسامح بالتعايش بين العقائد و الديانات بعيدا عن المجالات الأخرى كالسياسة و الاقتصاد و الاجتماع. فالسيرة النبوية مثال في التسامح الذي يجب بين البشر على مستوى العائلة و القبيلة و الأمة و الإنسانية.

ـ أما “جون لوك” فيرى أن الفصل بين السلطة السماوية الدينية و السلطة السياسية الأرضية بحيث يحترم الإنسان قوانين الدولة التي تحمي حقوقه دون أن تعارض الدولة كمجتمع سياسي و المجتمع الكنيسي. و تقبل هذا الفصل و التمايز سيحقق التسامح و ينتهي العنف.
إلا أن الخلاف لا يزول إلا بالتفاعل و التقارب بين الشعوب و زوال الحواجز الثقافية و المكانية، و حينئذ يتغلب الشعور الإنساني في التفاعلات و الترابط في كنف الاعتراف بالخصوصيات واحترامها و الوعي بها.
الخاتمة:

إذا كان العنف يصدر من مبررات تجعله مفصودا و واعيا، و أن الحكمة في التقريب بين النقيضين و الجمع بين الشتات و أن مهمة رأب الخلاف ليس في متناول كل الناس. إذ كثيرا ما يغشي التعصب البصيرة، و يتحول الإنسان يعقله و إرادته إلى وسيلة في يد الغريزة. بينما الحكمة تقتضي إعمال العقل المتحرر من سلطان الغريزة، و قبول العيش مع الغير ليس بحكم الظروف و إنما بحكم الأخوة الإنسانية التي تعلو عن التشبث بما نختلف فيه إلى الوعي بما نشترك فيه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: