العمل الجمعوي بين ثقافة المشروع و مشروع الثقافة

مقدمة:
لا يجادل أحد في أهمية العمل الجمعوي ، خاصة في عصرنا الحاضر الذي يسمى بعصر المجتمع المدني ، أو يدفع بقوة ومن طرف كل الدواليب الوطنية و الدولية ليكون كذلك بامتياز. و عبر كل العصور كانت الجمعيات و الأندية و المقامات هي منشأ كل الحركات التغييرية ، و منبت العديد من الطاقات المجتمعية الخلاقة، وهي اليوم الوسيلة الفعالة لانفتاح كل الهيئات على المجتمع ونشر مبادئها و أفكارها واستقطاب المنخرطين في دواليبها و المساهمين في مشروعها ، وقد نابت الجمعيات في العديد من بقع الوطن عن الأحزاب بل حتى عن الحكومة و الدولة ، سواء في تكوين الأفراد و تربيتهم على الحوار و المشاركة و المسؤولية و المواطنة، أو في تقديم الخدمات اللازمة للفئات المجتمعية المحتاجة حتى في المناطق النائية و أعالي الجبال؟!.
1 – الدواعي :
هذا النجاح الذي حققته وتحققه الجمعيات على أرض الواقع ، كان مرفوقا على الدوام بصعوبات و مشاكل ذاتية وموضوعية، لعل أهمها مشكلة الرؤى و الأفكار ، ومشكلة الامكانيات المادية، والطاقات البشرية ، غير المؤهلة أو المتواضعة التكوين . أضف إلى ذلك المشاكل السياسوية التي تصنف الجمعيات حسب الولاءات و تخندقها حسب المزاج والهوى و تهمشها و تحرمها من غير وجه حق ، سواء من حقها من الاستفادة من الشراكات و المنح أو التحرك ومزاولة أنشطتها ، أو حتى من وصل إيداعها و وجودها القانوني ؟!. ولقد واجهت الجمعيات هذه العراقيل بمزيد من الصبر و الاصرار و التعاطف ، مكنها من انتزاع حقوقها المشروعة ، ولكن بنظرة تجزيئية في بعض الأحيان، لم تكن على الدوام في مصلحة الجمعيات ولا في خدمة أهدافها ومبرر وجودها الأصلي. ومن ذلك على سبيل المثال ما أصبح يطبع العمل الجمعوي على الصعيد الوطني من ثقافة الشراكات و المنح الوطنية و الدولية. التي يبدو و أنها ارتهنت العمل الجمعوي في الحاضر و ربما ابتلعته في المستقبل ، وحرفت و جهته واختياره عما نذر له نفسه وكرس له مساره ؟!.
2 – ثقافة المشروع و الشراكة :
في الحقيقة و حسب التجربة المتواضعة و التي لا زالت تتلمس طريقها الجمعية فإن ثقافة المشروع و التعاقد بشأنه بمقتضى الشراكة ، خطوة إيجابية في اتجاه تأهيل الجمعيات و الرقي بمستواها التدبيري ، والرفع من مردوديتها المتوخاة ، وبشكل عقلاني توافقي . المشروع و الشراكة يوجهان عمل الجمعية إلى هدف محدد بدل التخبط في العديد من الأهداف التي تفوق طاقاتها. يوفران لها الامكانيات المادية لانجازات مريحة . يتيحان لها فرصة الانفتاح على فئات مجتمعية مستهدفة سواء العاملة و المؤطرة منها أو المستفيدة و المؤطرة . وهذا يمكن كل جمعية أن تنفتح أكثر ما يمكن على المجتمع و تشيع فيه خدماتها و أفكارها . و تتيسر علاقاتها و تتحسن مع مختلف الشرائح و الهيئات الرسمية و المانحة و ذات الاهتمام المشترك. كما أنها تدفع بالجمعية إلى وضعها و حجمها الطبيعي بأن تكون جمعية مواطنة تساهم مع غيرها في الجهود التنموية الوطنية كل بإمكانياته وفي مجال تخصصه.
غير أنه و للأسف هناك محاذير قد تفرغ الشراكات من محتواها ، و تتيه بالجمعيات عن أهدافها الثقافية ، وتجعل أطرها فاعلين ولكن في متاهات درسات الأوضاع و السعي للحصول على المعلومات…، وربما تنازع أهلها على المكاسب الفردية و المناصب الشخصية ، وغير ذلك مما قد يورط الجمعية أو يعجل بزوالها. ذلك أن الشراكة قد لا تكون في أهداف و تخصص الجمعية على سبيل المثال جمعية رياضية تصبح متخصصة في البيئة و التنمية المستدامة، أو أن الجمعية تدخل الشراكة عن موقع ضعف ، لا رأي لها ولا تفاوض معها فالجهة المانحة تفرض كل شيء. أو جمعية أطرها في التعليم مثلا و يخوضون في كل شيء ، في التعليم و الصحة و الفلاحة و السياحة و الحقوق و المرأة و الطفل…، أو جمعية متواضعة تريد أن تنوب عن كل الهيئات الوطنية من أحزاب و جماعات محلية و وزارات حكومية و كافة المتدخلين الاجتماعيين، أو جمعية تعقد شراكات دولية لتكون الطابور الخامس للجهات المانحة أو تضغط بها على الحكومة لتصفية حسابات سياسية أو فرض مكتسبات فئوية قد تكون شاذة، أو جمعية لا توفر لشراكاتها الأطر اللازمة لحسن الإنجاز و تدقيق الحسابات و الافتحاصات المالية . أو جمعية توقف كل أنشطتها الثقافية الهادفة و الرائدة لصالح أنشطة الشراكة فحسب ، هذه الأنشطة التي قد تتوقف مباشرة بمجرد توقف الدعم المالي. فتبقى إقامات الفتيات القرويات فارغة و حافلات النقل المدرسي معطلة،وجل الذين اجتمعوا على المشروع في البداية و أكثروا الترغيب في الانخراط و الاستفادة منه، إذ كل منهم يولي وجهته كأن شيئا لم يكن يوما بينهم؟!.رغم كل ما هدر من أجل ذلك من الجهود و الملايين ؟!.
3 – حاجتنا إلى مشروع الثقافة :
ورغم هذا فيبقى العمل الجمعوي في حاجة ماسة إلى مشاريع الشراكة ولكنها المبنية على مشروع ثقافي ورؤية ثقافية ، تكون جزءا لا يتجزأ من المشروع الثقافي و الرؤية العامة للجمعية. فلن تتخلى جمعيتنا عن الواجب الوطني و لن تخذل نداءات المواطنة، ولن تقصر في المساهمة في التنمية البشرية ، بل التنمية المستدامة و الشاملة ، كيف لا و قد رفعت شعارا لها منذ البداية ألا و هو : ” تنمية الإنسان أولا “، بل يمكن أن نقول : ” تنمية الانسان أولا …. تنمية الانسان دائما “. وهو الهدف النبيل المشترك بين كل الدعوات السماوية وجل المبادرات الوطنية وعلى رأسها الابداعات الجمعوية لن نترك الساحة الجمعوية لمن هب ودب يصول ويجول فيها بحق أو غير حق، لن نغفل عن الانفتاح على الفاعلين الاجتماعيين و التوسع في المجتمع إلى غيره من التقوقع و الانحصار المؤدي ولا شك إلى الاندحار. لن نحجم عن وسيلة من شأنها التيسير المادي لجمعيتنا و للأطر العاملة أو المرشحة للعمل المدني فيها…؟!. لن نبخل عن خدمة أطفالنا وشبابنا، رجالنا و نسائنا و مواطنينا عامة لن نبخل عن التخفيف قدر المستطاع من مشاكل وطننا الحبيب و الدود عن قضاياه الكبرى في تنمية التدين والأخلاق و محاربة الفقر و الهشاشة …ورغم هذا فلن نكون أكثر من جمعية ولن نخوض فيما لسنا له بمؤهلين ولن ننوب عن غيرنا في تحمل مسؤوليته ولن… ولن …نحن مشاركون ومساهمون كغيرنا فقط.
و بالتالي فالمقصود من كل ما سبق أمرين اثنين نعتبرهما جوهريين و أساسيين:
الأمر الأول :
أن نهيأ أنفسنا لاقتحام مجال المشاربع الثقافية و الشراكات الوطنية بالأساس، وما يتطلبه ذلك من اختيار فكرة المشروع الذي يتماشى مع أهدافنا و مجالات تخصصنا و مؤهلات كفاءاتنا، التي ينبغي استثمار المكونة منها و تكوين ما يلزم منها وفي المجال الذي يلزم، سواء في مجال وضع المشروع أو البحث له عن جهة مانحة أو تسيير و إنجاز المشروع ، وضبط سيره نحو أهدافه الثقافية قبل ضبط حساباته المالية؟!. وهنا نتساءل أين مشاريعنا في برنامج القرب للقطب الحكومي ؟!. أين مشاريعنا للمساهمة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ؟! أين مشاريعنا للجهة و الجماعات المحلية باعتبارنا قوة مدنية اقتراحية يهمها المساهمة في حل مشاكل الجهة ؟!. أين مشاريعنا لمختلف الهيئات الوطنية و القطاعات العمومية المحلية ؟!. بل أين مشاريعنا الرائدة و المميزة في مقر الجمعية ؟!. إن سير الجمعية حسب السير التقليدي للجمعيات وحسب ما تفق أو ما تيسر من أطر و أنشطة وما جادت به هذه الأطر من أوقات وتضحيات ، دليل قاطع على غياب فكر المشروع و السعي لإنضاجه و التعاون الجماعي على إنجازه. وهو أمر وسير جمعوي لا بد من تجاوزه ؟!.
الأمر الثاني :
عدم التفريط في المشاريع الثقافية الاشعاعية خاصة في مجال تخصصها الطفولي ، فبذلك عرفت الجمعية منذ البداية ، ولا زالت الحاجة جد ماسة إلى التكوين الثقافي و الاشعاعي في المجتمع ، فبهذه المشاريع تتكون الأفراد و بالأفراد المكونة الرسالية تنجح المشاريع التنموية وتعم الاستفادة و الخير العميم ، وبغير هذا تفشل المشاريع مهما توفرت لها التمويلات والإمكانيات ، ولعل الساحة وما تعج به من تجارب فاشلة وعلى مدار نصف قرن كما يذهب إلى ذلك التقرير الوطني للتنمية البشرية ، خير دليل على هذا ، يعني ضرورة المزاوجة في الإقلاع التنموي بين الأفكار البانية و المشاريع البناءة؟!. وهنا اسمحوا لي أن أتساءل أيضا : ما معنى التخصص الطفولي و ما علاقاته بباقي التخصصات ؟!. ما هي الآفاق الممكنة و المقاصد المرجوة لهذا التخصص ؟! . ما هي رؤيتنا الثقافية لتنمية التخصص الطفولي ؟!. ما هي مشاريعنا المسطرة من أجل ذلك ؟!. أين محاضرونا المتخصصين و باحثونا المهتمون في المجال ؟!.
إن عملنا دون وضوح هذه الروى أ و عملنا خارج ما يلزمها من أوراق تصورية و مخططات مرحلية وبرامج قطاعية وموارد بشرية و إمكانيات مادية…، لن يكون سوى تجزية للوقت فيما تيسر و بما تيسر وكله خير . ،ولكن ولاشك عمل بعيد عن الأهاف المرسومة في قلب مشروعنا التربوي المتضمن أساسا في “الميثاق”، ولن يكون ذلك إلا عملا خارج الحاجات الحقيقية للفئات المستهدفة، و لربما الرهانات التنموية للوطن والمستقبل ، على الأقل حسب تصورنا واختيارنا وفي مجال تخصصنا ؟!.
خاتمة:
وانطلاقا من كل هذه الدوافع حاول المكتب المركزي وضع مخطط ثقافي لهذه المرحلة من عمر المكتب 2005 – 2008 . توضيحا للرؤى و توجيها للجهود ، ودفعا للسير و تنمية للموارد …، المخطط يحتوي على أربع أولويات هي: ( تقوية البناء الداخلي للفضاء ./ اعتماد التكوين داخل الفضاء / الانفتاح و التوسع في المجتمع / ترويج المنتوج الثقافي للفضاء ). و في كل أولوية ستة أهداف ، ولكل هدف وسائل إنجازه و مؤشرات الإنجاز و المكلف بالإنجاز وتاريخ الإنجاز…( أنظر المخطط الثقافي)؟!. هذا المخطط أصبح الآن الورقة الثقافية الرسمية بين كل فروع الجمعية خلال هذه المرحلة، وفيها ينبغي بذل مجهود الإنجاز ، وعليها ستكون المتابعة من أجل التقويم والتكوين وغير ذلك من أشكال الدفع اللازم، وهذا لا يعني الحد من الأنشطة الأخرى التي يقوم بها فرع الجمعية ، وإنما الأولوية لأنشطة المخطط.، فهي البرنامج المشترك و ذو الأولوية بالنسبة للجميع في هذه المرحلة ؟!.وعليه ينبغي على مكتب الفرع ومن يعمل معه من رؤساء الأندية و اللجن ، عقد يوم دراسي لاستخراج ما يهمه من الأنشطة و ما يهم أنديته و لجنه عاجلا غير آجل.ورسم البرنامج المتكامل للفرع حسب السنوات وحسب الفصول و الدورات بل حسب الأشهر و الأسابيع. يوزع على عل المعنيين ويعلق في سبورة البرامج لعموم الرواد؟!.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: