كيف تتعامل أوروبا مع الهجرة السرية ؟

أصبحت أوروبا منذ نهاية القرن الماضي، تعيش على إيقاع ظاهرة الهجرة السرية. فعشرات الآلاف من الأفارقة يقطعون المسافات الطويلة، للوصول إلى المدن القريبة من الشواطئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط، في انتظار فرصة سانحة لعبورهم نحو الفردوس المفقود، إسبانيا، ومنها إلى مختلف البلدان الأوروبية.

ويركب المهاجرون السريون، قوارب أطلق على تسميتها “قوارب الموت”، من أجل الوصول إلى القارة الأوروبية ، لكن هذه المغامرة تخلف ضحاياها من الأفارقة و المهاجرين من المغرب العربي خاصة، الذين أضحوا بالمئات. وتفصح جمعية “فورتريس-أوروبا” الخيرية الايطالية، عن حجم مأساة الهجرة السرية، بإعلانها بناء على إحصاءها السنوي لضحايا الهجرة السرية ، أن هناك 1502 مهاجر سري على الأقل ماتوا في العام 2008 على حدود الاتحاد الأوروبي، كما وصل عدد الذين ماتوا من المهاجرين في مضيق جبل طارق في 2008 إلى 216 والى 136 ،أمام سواحل جزر الكناري، والى 181 في بحر ايجه (الواقع بين تركيا واليونان)، والى 267 في صحارى شمال إفريقيا، وبين المختبئين في الشاحنات أو في العبارات في البحر الادرياتيكي، أو الذين قتلوا برصاص شرطة الحدود. ومنذ عام 1988 مات 13351 مهاجرا على الأقل، على حدود أوروبا بينهم 5131 غرقوا في البحر طبقا لما أكدته الجمعية الإيطالية.

وعلى الرغم من انخفاض عدد الضحايا بالمقارنة مع عام 2007 بنسبة 23 في المئة، إلا أنه يلاحظ ارتفاع في عدد الموتى من المهاجرين، في قناة صقلية (جنوب ايطاليا)، حيث ارتفع من 555 في 2007 إلى 642 في 2008 ، وذلك نتيجة ارتفاع عدد الذين وصلوا إلى جزيرة “لامبيدوزا” الايطالية (جنوب صقلية)، بنسبة 80 في المئة.

وفي نفس الصدد، أجرت جريدة الحرية الجزائرية، استطلاعا موسعا حول نفس الموضوع، و كشفت النقاب على أن 81 في المئة ممن شملهم هذا الاستطلاع، يعرفون قريبا مستعدا لتسديد مبالغ مالية من أجل الهجرة إلى أوروبا . هذا الواقع، جعل أوروبا تواجه رهانات جديدة، في إطار تعاملها مع هذه الظاهرة، التي تطرح أمام كل المهتمين والمراقبين إشكالات حقيقية و ذات أبعاد مختلفة (قانونية و اجتماعية و ثقافية و اقتصادية).

مواسم الهجرة إلى الشمال

لمعرفة دواعي و أسباب الهجرة السرية، لابد من فهم سياق تاريخ الهجرات إلى أوروبا. فالدراسات و التقارير الصحفية، تشير أن موجة الهجرة إلى أوروبا، بدأت منذ عام 1974 حين تم سن عددا من القوانين الخاصة بالهجرة، رغبة في الحد من مسلسل الهجرات الإفريقية، حيث خلق نظام للتأشيرات و بدأ الحرص على مراقبة الحدود ومنع تدفق المهاجرين الجدد.

وحسب اللجنة العالمية للهجرة الدولية، يهاجر الآلاف في بقاع العالم، أغلبهم من النساء و الأطفال. اما ظاهرة الهجرة السرية إلى أوروبا، فبدأت في سياق عولمة الاقتصاد الذي وسع من الفوارق الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية. كما يلعب الإعلام و عودة بعض المهاجرين خلال فترة عطلهم بسيارات فارهة مثلا، دورا في إثارة وتزايد أعداد المهاجرين. الباحث الإسباني “يورن زوإن” ، يرى أن “هناك نسبة 71 في المئة من الشباب ذوي الدخل غير الثابت، يعتقدون أن حياتهم بائسة، وأن المستقبل لا يبشر بالخير، وأن الهجرة نحو الشمال أملهم الوحيد، ذلك ما يدعوهم إلى الهجرة، أما الذين لا يجتازون البحر بسبب المراقبة، فإن الشرطة تأخذهم لتعيدهم من حيث أتوا، ومن لم تعتقله الشرطة يبتلعه البحر”.

وككل ظاهرة اجتماعية، خلقت الهجرة السرية عددا من النتائج، تختزلها الباحثة “ديانا دراكانوفا” في “تغيير هذه الظاهرة لميزان القوى السياسي و الاجتماعي، و تحويل الهويات الجماعية ، إضافة إلى بروز نظرة تجرم ظاهرة الهجرة السرية، وتربطها بالأمن الدولي ، في ظل تراجع دول الدولة كفاعل وحيد على الساحة الدولية، بما يحمله ذلك من إعادة النظر في السؤال حول سيادة الدول و صعوبات مراقبة الحدود الوطنية.”

هل تريد أوروبا التخلص نهائيا من المهاجرين ؟

بالرغم من الخطاب الحقوقي العالمي، و التزام الدول باحترام حقوق المهاجر الصحية و الثقافية و الاجتماعية، فإن الواقع الأوروبي يؤكد، أن الفرق بين الخطاب و الممارسة، يتسع بشكل مستمر. وحسب المراقبين، فالعديد من البلدان الأوروبية، لا تحترم مبادئ حقوق المهاجر، وخير دليل عل ذلك، أن كل “البلدان المتقدمة” لم تصادق على اتفاقية الأمم المتحدة حول ضمان حقوق كل المهاجرين و عائلاتهم، وخاصة أنها تتضمن مواد تلح عدم التمييز بين المهاجر الشرعي و غير الشرعي، مثل المادة الأولى من الاتفاقية. هذا الوضع، دفع المراقبين ونشطاء حقوق الإنسان إلى طرح السؤال : هل بات زمن طرد المهاجرين نهائيا و بالجملة من أوروبا وشيكا ؟

طرح مثل هذا السؤال، يستند على مؤشرات عدة. فقد صادق النواب الأوروبيون على مشروع قانون يضع معايير مشتركة لتسهيل ترحيل الأشخاص المقيمين في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ27 بشكل غير قانوني. وتبنى أعضاء البرلمان الذي يوجد مقره بمدينة “ستراسبورغ” الفرنسية ذلك المشروع، رغم ما أثاره من الانتقادات من طرف عدد من نشطاء المجتمع المدني و أعضاء البرلمان الأوروبي، المنتمين إلى أحزاب الخضر واليسار ضدا على القوانين الأوروبية التي أطلقوا عليها اسم “إجراءات العار” .

وفي سياق محاربة الهجرة السرية، تشهد عدد من مراكز الحجز الأوروبية، ( وهي مراكز يتم فيها حجز المهاجرين السريين في انتظار ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية)، ممارسات تنتهك حقوق الإنسان. و على سبيل المثال لا الحصر، ما وقع مؤخرا في مركز الحجز الفرنسي، “مايوت” الذي يسع ل 60 مهاجرا، لكن الصور التي عرضتها الصحافة الفرنسية، تظهر أنه يضم أكثر من 100 مهاجر اغلبهم أفارقة، ويتكدسون داخل غرفة قذرة ومغلقة بإحكام، تنعدم فيها الشروط الصحية. وعلى بعد أمتار من القمامات، ترقد أعداد من النساء رفقة أطفالهن الذين يبكون ويصرخون بشدة. ويبرز الشريط الذي صور في المركز بطريقة خفية، كيف أن مركز الحجز “مايوت”، لا يتوفر إلا على 60 أفرشة فقط ، أما الحمامات فهي شفافة، و ليس هناك مراحيض مخصصة للأطفال و النساء “. وقبالة هذا الواقع اللا إنساني، في بلد “مبادئ احترام حقوق الإنسان”، يطرح المحللون و الخبراء سؤالا مهما: كيف تحول بلد حقوق الإنسان إلى فضاء لظروف لا إنسانية، يعيش فيها مهاجرون أغلبهم هربوا من الفقر و الجوع و الحرب بحثا عن وطن بديل؟

سياسة الهجرة في أوروبا، تؤكدها أعداد المهاجرين السريين الذين يُرحلون إلى بلدانهم، ضدا على كل قيم و مبادئ حقوق الإنسان، وحتى إرادة من يدافع عن هذه القيم، كما حدث ثلاثة فلاسفة فرنسيين، استنطقوا من طرف الشرطة الفرنسية، وأقرت المحكمة بمتابعتهم في حالة سراح، وهم على التوالي: “صوفي ريموست، وإيف كوسيت، وبيير لوريت”،. أما التهمة فهي عرقلة قرار بترحيل مهاجرين غير شرعيين إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية. فأي معنى لثقافة الحوار و استضافة الأجانب، في بلد توزع في مطاراته الشرطة إشعارا، يحذر من عواقب كل من يعرقل ترحيل مهاجر سري من فرنسا. وتتمثل العقوبة في السجن 8 سنوات مع أداء غرامة مالية قدرها 70 ألف يورو ؟

المهاجر غير الشرعي في ألمانيا، ينقصه تصريح الإقامة، وبالتالي لا يجوز لهم العمل الشرعي، مما يعني أنهم يعيشون بدون أي تأمينات صحية أو اجتماعية، وبدون مصدر دخل منتظم، كما يتهدده دوماً خطر الاصطدام بأجهزة الشرطة لأي سبب، حيث يتم ترحيله فوراً إلى بلاده. هذه الظروف يضطر معها المهاجر السري إلى العيش في الظلام، ما يؤدي إلى متاعب نفسية واجتماعية قاهرة.

المهاجر السري و الموت…

المقاربة الأمنية لموضوع الهجرة السرية في أوروبا لا تقف عند الحد، بل هناك برامج للتنسيق وللمراقبة الصارمة للحدود. فأسبانيا دشنت نظاما لتبادل المعلومات حول الهجرة السرية عبر الأقمار الصناعية، مع موريتانيا والسنغال والرأس الأخضر. وسيكون هذا النظام الجديد “رائدا” في محاربة شبكات تهريب البشر والمخدرات، كما تأمل حكومات البلدان المهتمة بتلك الظواهر. ووفق تقارير وسائل إعلام أسبانية، سيتيح النظام الرقمي المسمى “شبكة حصان البحر” لمراكز تنسيق في “داكار ونوكشوط ونواذيبو وبرايا ولشبونة ومدريد”، تبادل المعلومات في ذات اللحظة من أجل مراقبة انطلاق قوارب الهجرة السرية والمهربين عبر البحر اتجاه القارة الأوروبية.

وتقول التقارير و الدراسات المهتمة بالهجرة الأوروبية، إن المقاربة الأمنية ليست الوسيلة الناجعة لمعالجة الهجرة السرية، بل هناك مقاربات حقوقية و ثقافية وإنسانية. المهاجر يحمل معه رصيدا ثقافيا يغني به ثقافات البلد الأوروبي. كما أن خلق التواصل و الجدل بين الأوروبيين والمهاجرين، يعد رهانا ثقافيا واقتصاديا و تنمويا بامتياز. وكما تقول” ديانا دراكونوفا” ” اندماج المهاجر لا يتحقق إلا بمحاربة العنصرية، و تسهيل عملية التواصل و خلق مجتمعات متعددة الثقافات، و ليس محاولات دول القارة لتذويب المهاجر في الثقافات الأوروبية”. لابد من الوقوف عند حقيقة معينة: إن المهاجر السري يواجه الخيار بين نوعين من الموت، كما يصفهما الشاعر الفرنسي” ادموند هاروكور” قائلا : “أن نغادر معناه أن نموت قليلا ، وأن نبقى معناه أن نموت كثيرا “.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: