التخلف الدراسي : مقاربة نظرية

يعتبر “بيير بورديو” أن عمليات التعلم الاجتماعي تكون وتنقل نماذج الإدراك والسلوك عند الفاعلين .
و تساهم في ذلك الأسر والأنساق التربوية , فينتج ما يمكن تسميته بالاستبطان الخارجي.
حيث أن الأشخاص إذا وجدوا في ظروف اجتماعية مختلفة, فإنهم سيكتسبون تبعا لذلك استعدادات مختلفة وذلك حسب وضعهم التاريخي و موقفهم من نسق اجتماعي معين أي مجموعة الاستعدادات المكتسبة ورواشم الإدراك والتقويم والفعل التي طبعها المحيط الاجتماعي في لحظة محددة و موقع خاص و هذا ما اسماه بورديو بالأبيتوس
habitus .

و وفق هذا التحديد فالأبيتوس منتج للممارسات , و أصل الإدراكات و عمليات التقويم و أصل القواعد المولدة للممارسات.
حيث أن الأبيتوس يتوسط العلاقات الموضوعية و السلوكات الفردية .
و تهدف تحاليل الأبيتوس لدى “بورديو” إلى استخلاص كل النتائج من أفعال إعادة الإنتاج الثقافية , فيتوقف بشكل خاص عند وظائف النسق المدرسي لعمليات إعادة الإنتاج هذه و عند التمايز الثقافي فيقول في هذا الصدد : ” يخضع النظام التعليمي المؤسسي ( أو إحدى مرجعياته ) لسنة التنميط الروتيني, بقدر ما ينتظم نشاطه التربوي ليلبي وظيفة معاودة الإنتاج الثقافي …
ما تتطلبه عادة الطبقات الحاكمة من النظام التعليمي يتمثل أساسا في معاودة إنتاج الثقافة الشرعية وإنتاج فاعلين قادرين على استخدامها شرعيا ( أي مدرسين , أساتذة , إداريين أو محامين أو أطباء أو أدباء إلى حد ما …) , ومن جهة أخرى تخضع الممارسات التربوية وخاصة الثقافية منها التي تقوم بها فئة الفاعلين الخاضعين لسنة التنميط الروتيني…) ” .
و مسألة إعادة إنتاج الطبقات الاجتماعية , تتعلق بشكل خاص بإنتاج نسق علاقات الطبقات القائم .
و يعتبر “بورديو” أن للمدرسة وظيفة واحدة , هي تحديد النسق الثقافي وفرض شرعيات الطبقات المسيطرة “يصل موهوم (استقلالية النظام التعليمي المؤسسي ) المطلقة , إلى ذروته حين يتحول الجسم التعليمي بصورة كاملة إلى مجموعة من الموظفين , و ذلك لأن الأستاذ حين يتقاضى أجرا من الدولة أو من المؤسسة الجامعية , و ليس من الزبون مثل البائعين الآخرين للسلع الرمزية (المهن الحرة) , أو على الأقل مقابل الخدمات التي يقدمها لهذا الزبون , ليجد نفسه في ظل أفضل شروط التغافل عن حقيقة مهمته الموضوعية ”  .
فالمدرسة تخفي الإيديولوجية التقليدية لتكافؤ الفرص التي تهدف إلى جعلنا نقبل أنها ( أي المدرسة ) تعمل على توفير المساواة في الحظوظ للطلاب و لا ينجح إلا من يستحق النجاح .
بمعنى أن النظام التعليمي يشرعن التعسف الثقافي للمسيطر “حيث أن النظام التعليمي المؤسسي يتضمن ميلا إلى معاودة إنتاج نفسه بصورة ذاتية , فإنه يميل إلى معاودة إنتاج التغيرات التي تطرأ على نموذج التعسف الثقافي الذي يتولى معاودة إنتاجه…” .
إن نسق التعليم حسب “بورديو” , مكان لإقرار وترسيخ الثقافة , أي مكان فرض التعسف الثقافي و إنتاج التدابير الثقافية اللامتكافئة ,و بالتالي تدابير إعادة إنتاج التنظيم الاجتماعي القائم . فكل عمل تربوي هو عنف رمزي , على اعتبار أنه فرض تعسفي لنمط ثقافي من قبل سلطة تعسفية . “يعود ما لأي نظام تعليمي مؤسسي من ميزات بنيوية ووظيفية مخصوصة , إلى كونه يقوم بإنتاج ومعاودة إنتاج , بما للمؤسسة من وسائل خاصة , اللوازم والشروط المؤسسية التي لا بد من وجـودها و استمرارها ( معاودة إنتاج المؤسسة لنفسها ) سواء لاضطلاعه بوظيفة الترسيخ الخاصة به أو بوظيفة معاودة إنتاج نموذج ثقافي لا يكون من إنتاجه ( معاودة إنتاج ثقافية ) و يسهم بمعاودة إنتاج العلاقات القائمة بين الجماعات أو الطبقات ( معاودة إنتاج اجتماعية )”
و ينقسم المجتمع لدى “بورديو” إلى فئات اجتماعية متباينة متصارعة , حيث هناك إيديولوجيا تساهم في إعادة إنتاج الطبقات والصراعات .
و تراتب الطبقات لدى” بورديو” لم يكن اقتصاديا بالأساس (كما هو الشأن لدى ماركس الذي يقارب مفهوم الطبقة مقاربة سوسيو- اقتصادية ) بل كان ثقافيا ذا بعدين :
1- الرأسمال المدرسي أو الثقافي .
2- الرأسمال الموروث المتناقل عبر الأسرة .
و هناك ثلاثة عوامل تتحكم في سلوك الفاعلين الاجتماعيين , أسماها “بورديو” بالرساميل , وهي :
– الرأسمال الاجتماعي
LE CAPITAL SOCIAL : وهو المحدد للعلاقات الاجتماعية .

– الرأسمال الثقافي LE CAPITAL CULTUREL : أي الوسط الثقافي للإنسان.

– الرأسمال الرمزي LE CAPITAL SYMBOLIQUE : فلا يكون هناك عنف إلا إذا كان هناك تواطؤ بين الذي يمارس العنف والذي يمارس عليه . كمثال ( العنف في علاقة الزوج بالزوجة ) .

و بالتالي فإن “بورديو” يعتبر المدرسة مصدرا للسلطة الرمزية التي يخضع لها التلميذ أو الطالب .
إن المدرسة – في نظر”بورديو” – وسيلة أو أداة في يد الطبقات الحاكمة لإنتاج ولمعاودة إنتاج الثقافة السائدة , و كذا إعادة إنتاج نسق العلاقات الذي يخدم مصلحة الطبقة المهيمنة (السائدة), من خلا ل موظفين تغافلوا عن مهمتهم الموضوعية.
“النظام التعليمي أداة لتكوين التعسف الثقافي في المجتمع و للحفاظ على استمرارية الأوضاع الثقافية و الاجتماعية القائمة و بالتالي تكريس التبعية و كذا الدفاع عن استمرارية السوق الرمزية بما لها من فعالية للحفاظ على الوضع القائم . و هكذا نجد أنه من الممكن أن تأخذ التبعية شكلا مفارقا تماما, و ذلك عندما تتم من خلال نظام تعليمي مؤسسي معين”  .
فالتعسف الثقافي لنسق التعليم يفرض العنف الرمزي داخل المجتمع .
نستخلص مما سبق ما يلي :
أ‌- حسب المرجعية التفاعلية , التخلف الدراسي أمر حتمي في الدراسة نظرا لسعيها إلى إعادة إنتاج نفس المجتمع بنفس العلاقات الإنتاجيـة و الاقتصادية و الاجتماعية , و بنفس التفاوت الطبقي و بنفس الثقافة (بيير بورديو – 1994) .
ب- تروج المدرسة الثقافة السائدة لدى الطبقة المهيمنة , و التي تختلف عن الثقافة السائدة لدى أبناء الطبقات الشعبية و في هذا نوع من عدم تكافؤ فـرص التعلـم , و بالتالي هناك إقصاء ممنهج للمتمدرسين من الأوساط غير المحظوظة .
ج- التخلف الدراسي “ضروري ” و” مطلب ” للمجتمعات الرأسمالية , كسبيل لتوفير اليد العاملة, و تأمين أعداد كبيرة من العمال التي تشكل الطبقة الكادحة في معامــــل و مصانع الطبقة المسيطرة اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا.
د- الامتحانات هي الميكانيزم الأساسي لانتقاء التلاميذ و فرز المتخلفين دراسيا . هذا في ما يخص المقاربة التفاعلية، فماذا يمكن قوله بالنسبة للمقاربة الثانية؟ وكيف تفسر التخلف الدراسي ؟ ذلك ما سوف نراه من خلال استعراض مضامين و مبادئ المقاربة البنيوية .
2- المقاربة البنيوية :
البنيوية هي نسبة إلى كلمة بنية التي هي ترجمة لكلمة
Structure المأخوذة من الكلمة اللاتينية Struere التي تعني بناء , والبنيوية Structuralisme ليست مدرسة فلسفية أو ميدانا خاصا للمعرفة . بل هي اتجاه فكري أصبح يغزو جميع الميادين . وقد ارتبطت المدرسة البنيوية باللساني السويسري “فيرناند دي سوسير” , الذي عمل على تحديد موضوع اللغة ,فميز بين اللغة والكلام , واعتبر اللغة نسقا منظما من العلامات , مؤكدا على مفهوم النسق في دراسة العلاقات الداخلية للغة .

استنادا إلى أعمال “دي سوسير” ؛ قام “كلود ليفي ستراوس” بتطبيق مبادئ علم اللغة على الظواهر الثقافية , واعتبر أنه بإمكان المنهج البنيوي أن يلعب دورا مهما في العلوم الاجتماعية , يماثل الدور الذي لعبته الفيزياء النووية حيث أن التحليل البنيوي يسمح بفهم أفضل لنسق علاقات القرابة المعقدة , أو لدلالة الأسطورة في المجتمعات العتيقة ، وكذلك الشأن بالنسبة ” لجاك لاكان Jacques Lacan ” في مجال التحليل النفسي, حيث اعتبر اللاشعور بنية شبيهة ببنية اللغة .

نفس الشيء بالنسبة “لميشيل فوكو” في ميدان الفلسفة حيث أكــد على أن الطريقة التي يكتب ويفكر ويتكلم بها الناس تحكمها بنية نظرية ونسق ( مجلة بيت الحكمة- 1986).
إذن فكلمة البنية ليست حديثة العهد , ولكن تم التطرق إليها وتوظيفها من قبل عدد من المفكرين على اختلاف تخصصاتهم .

لقد تعددت تعاريف البنيوية حسب مجالات استعمالها وأيضا حسب المستعملين لها .يقول” روجي غارودي”:” إن الأطروحة المركزية للبنيوية هي توكيد أسبقية العلاقة على الكينونة,وأولوية الكل على الأجزاء , فالعنصر لا معنى ولا قوام له إلا بعقدة العلاقات المكونة له ولا سبيل إلى تعريف الوحدات إلا بعلاقاتها ”  .
إلا أن “جان بياجي” هو من قام بوضع تعريف بسيط يشمل القواسم المشتركة لهذا المفهوم عندما يقول ” تبدو البينة بتقدير أولي , مجموعة تحويلات , تحتوي على قوانين لمجموعة تقابل خصائص العناصر تبقى أو تغتني بلعبة التحويلات نفسها دون أن تتعــدى حدودها , أو أن تستعين بعناصر خارجية . و بكلمة موجزة , تتألف البنية من ميزات ثلاث: الجملة (
Totalité )- التحويلات Transformations و الضبط الذاتي ”  .

فالاتجاه البنيوي يعتمد في دراسته للظواهر على الكل الذي لا يختلف عن العناصر المكونة له, و ليس بسابق عليها , و لكنه يتميز بالربط بينها و دراسة العلاقة الموجودة بين الأجزاء . فالجزء لا معنى له إذا لم ينظر إليه كعنصر داخل المجموعة . أما التحول الذي يتميز به هذا الاتجاه فهو ذو طبيعة كمية و هو لا زمني أي يؤدي إلى تراكمات و إضافات لا تمس الجوهر , أما ميزة الضبط الذاتي فهي تقتضي أن البنية تستطيع أن تضبط نفسها .
إن البنيوية في دراستها للمجتمع تنطلق من هذه المبادئ , حيث تعتبر أنه تكون شمولية و كلية ثابتة وقارة تتوفر على أنساق تعمل دوما للحفاظ على استقرار المجتمع وتوازنه. و يكتسي المجتمع لدى البنيويين عدة خصائص :
– المجتمع عبارة عن نسق من الأفعال المحددة والمنظمة .
– كل نسق يتألف من مجموعة من المتغيرات المترابطة فيما بينها .
– التوازن الاجتماعي يعتبر هدفا يساعد المجتمع على بقائه و استمرارية من خلال الإنسجام بين مكوناته البنيوية عن طريق القيم و النماذج الثقافية التي يرسمها المجتمـع للأفـراد و الجماعات .
من ضمن المجالات التي اهتمت بها البنيوية هناك مجال التربية . حيث ينظر إلى المشاكل التي يعاني منها هذا الميدان باعتبارها كلية وتندرج ضمن نسق يتكون من عناصر متفاعلة فيما بينها. وفي هذا الصدد يقول محمد ايت موحى وعبد اللطيف الفاربي : ” إننا نعتبر أن الفعل التربوي معطى يتكون من ثلاث خصائص رئيسية :
أولهــا : إنه مجموعة من العناصروالمكونات المترابطة فيما بينها والمتفاعلة تفاعلا ديناميا.
ثانيهــا : إن الفعل التربوي سيرورة من التفاعلات تقود إلى تحقيق أهداف محددة .
ثالثهــا : إن الفعل التربوي باعتباره نسقا من العناصر والمقومات وسيرورة من التحولات يتفاعل مع المحيط ويتبادل معه التأثير والتأثر, سواء كان هذا المحيط تربــويا أو ثقافيـا أو اجتماعيا “.
كما يقوم الباحثان بإعطاء منظور نسقي لعملية التدريس , حيث قاما بتحديد المفاهيم التي يعتمد عليها في ثلاثة عناصر:
– قبل عملية التدريس : و ذلك بتحديد مواصفات التلميذ و تحديد العوامل و الظروف المحيطة به.
– أثناء عملية التدريس : وهي كل التفاعلات التي تحدث خلال هذه العملية .
– عند نهاية عملية التدريس : و هي كل التغيرات التي تطرأ على المتعلم بعد عملية التدريس .
فعملية التدريس لا يمكن فصلها عن المحيط الذي يشكل الأساس لتخطيط و تنظيم و انجاز هذه العملية , مثلما يشكل إطارا يحدد نتائجها . ( ع اللطيف الفارابي و محمد ايت موحى- 1991)
من المفاهيم السالفة الذكر يتبين أن هناك وضعيات و هي :
– الوضعية المتوخــاة : و هي المراد بلوغها و إنجازها من نوايا و أهداف مسطرة .
– سيرورة الفعل التربوي: وهي جملة العمليات التي نقوم بها من أجل إنجاز الفعل التربوي للوصول إلى أهداف محددة .
– الوضعية الحقيقيــة : وهي النتائج الحقيقية التي حصلت لدى المتعلم بعد خضوعه للفعل التربوي .
إذن فالتخلف الدراسي هو نتيجة لعدم بلوغ الأهداف المتوخاة من الفعل التربوي والتدريس لدى فئة من التلاميذ عند نهاية هذا الفعل أو التدريس , حيث أن هناك فارقا بين ما كان متوخى تحقيقه وما تم تحقيقه فعلا . هناك إذن عدم تطابق بين الوضعية المتوخاة والوضعية الحقيقية .
أما أسباب التخلف الدراسي حسب الاتجاه البنيوي . يمكن أن تندرج في أحد الإطارات التالية:
– في المنطلقات و التي تتكون من مواصفات التلميذ من جهة ومواصفات المحيط من جهة ثانية .
– أثناء عملية التدريس والتي تتكون من خلال تفاعل أنماط الأهداف , طبيعة المحتويات ، نوعية الطرائق … وبصفة عامة كل ما هو مرتبط بالعملية التعليمية التعلمية .
– في النتائج , حيث يمكن أن تكون الأساليب التي تم بها تقييم إنجازات التلميذ سببا في تخلفه .
و هناك من يشير إلى أن أي ظاهرة سواء أكانت اجتماعية , أو اقتصادية, أو تربوية …ما هي إلا نتيجة لغياب مشروع مجتمعي خاص, يقيم تراضيا عاما ويشير إلى سبل الخروج من المشكل وذلك بإيجاد إطار عام و استراتيجية للتنمية . و في هذا الصدد يقول بول باسكون: “ينبغي توفر مشروع تاريخي , توفر مذهب خاص ,يقيم تراضيا عاما و يشير إلى سبل الخروج من التبعية”مجلة بيت الحكمة 1986”.
أما الباحث “اندري لوجال” , في بحثه عن أسباب التخلف الدراسي , فقد توصل إلى أنها تندرج تحت صنفين :
– الصنف الأول يرجع إلى العوامل البنيوية للتخلف الدراسي , أي إلى النسق المدرسي المتبع بالإضافة إلى البرامج المدرسية التي تعتمد على الذاتية و على التخويـف و الترهيب مادامت ستكون موضوع امتحان ,كما أن المدرس يضطر إلى المرور على المناهيج التعليمية نظرا لطولها و يصبح هدفها هو تكوين الذاكرة و ليس الذكاء .
– أما الصنف الثاني من العوامل المسببة للتخلف فهي العوامل الوظيفية أي العوامل السيكوسوسيولوجية , و التي تتجلى في شعور التلاميذ بالتبعية و قلقهم من الامتحانات . بالإضافة إلى عدم توفر المدارس على العناية العاطفية.

فالمقاربة النسقية تنطلق من اعتبار أن كل فعل تربوي كلية من العناصر والعلاقات الخاضعة لسيرورة من التحولات التي تتوخى بلوغ أهداف محددة لذلك يخضع هذا الفعل لضبط وتصحيح مستمرين من أجل توجيهه نحو تحقيق الهدف المنشود عن طريق إجراءات تصحيحية تستهدف تقليص الفارق بين الهدف المنشود والنتيجة الفعلية , هـذه الإجراءات التصحيحية هي ما يسمــى ب “الفيدباك ” , و التي تعتبر حسب محمد ايت موحى و عبد اللطيف الفاربي ” طريقة لتصحيح الفوارق بين النوايا المتوخاة من رسالة معينة و أثرها ”  .
إنه إذن عملية تقليص مستمرة للفوارق بين ما ننوي تحقيقه و ما نحققه فعلا , وكل فعل خاضع للمنظور البنيوي فإنه خاضع و مزود بنظام من الضبط الذاتي- حسب تعريف بياجي- هذا النظام الذي يتمثل في تعديل و تصحيح مستمرين .
انطلاقا مما سبق يمكن القول أن البنيوية تؤسس مبادئها على جهاز مفاهيمي تحتل فيه كلمة “النسق” مكانا مركزيا , وتنظر إلى الظواهر باعتبارها كلية من العناصر المتفاعلة فيما بينها تفاعلا ديناميا يخضع لنظام ضابط ويتجه نحو تحقيق أهداف معينة . هذه المقاربة تجد أصولها في حقول معرفية أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على مجال التربية مما أعطى للفعل التربوي أبعادا جديدة باعتباره نسقا وبنية يستمد من محيطه ويدمج داخله التلميذ بأبعاده النفسيـة و الثقافية و العضوية , و يخضع هذا التلميذ لمجموعة من التحولات و التغيرات تقوده إلى حالة ثانية تكون مختلفة عن حالته الأولى . و التخلف الدراسي هو نتيجة لعدم الوصول إلى الأهداف المتوخاة من هذا الفعل التربوي رغم أن هذا الفعل خاضع للضبط الذاتي . وذلك راجع إما للنسـق المدرســي القائـم , و إمـا للعوامل
السيكو-سوسيولوجية للتلاميذ .
خاتمــــــــة :
حسب المقاربة التفاعلية فالمدرسة لها وظيفة إيديولوجية و هي معاودة إنتاج التمايز الطبقي، خاصة و أن الثقافة التي تروجها هذه المدرسة هي ثقافة الطبقات الاجتماعية المهـيمنـة .
و بواسطة نظام الامتحانات الذي لا يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات ثقافة الطبقة المسيطر عليها، يشرعن التفاوت في التحصيل الدراسي ليشرعن بعده التمايز الاجتماعي والطبقي بين طبقات المجتمع .
أما البنيوية فتنظر إلى هذه الظاهرة التربوية في إطار نسق يتكون من عناصر متفاعلة فيما بينها . و تعتبر التخلف الدراسي نتيجة لوجود فارق بين الأهداف المسـطرة و الأهداف المحققة فعلا .
بعد هذا الإطار النظري لموضوع التخلف الدراسي، يمكن الانتقال إلى دراسة الظاهرة ميدانيا، ليمكننا بعد ذلك تفسير النتائج المتوصل إليها على ضوء المرجعيتين النظريتين السابق التطرق إليهما .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: